أمام التساقطات المطرية التي شهدتها منطقة تافيلالت خلال الأيام التاليــة، التي تنذر بتحولات مناخية مفادها أن منطقة واحـة زيز قد قطعت ما يربطها مــع سنوات الجفاف التي كانت تخيــم على هــذا الجانب مــــن وطننا العـــــزيز.
وتعتبر مشكلة المياه من أهــــم التحديات التي تواجه الأمن المائي بهـذه المنطقة التي يغلب عليها الطابع المناخي القاري الجاف .
إذا تصفحنا معدل التساقطات منذ عقود مضت فإننا لا محالة سنقف على مبيان غير مستقر، تارة في ارتفاع وأخرى دون المستوى المطلوب .
من هنا بات لزاما علينا بان نخطط و أن نضع استراتيجية مائية محكمة لمواجهة أي شح في التساقطات المطرية وذلك باستثمار ها بما ينفع النظام البيئي بالمنطقة .
من المعلوم ان إقليم الرشيدية إقليم شاسع مترامي الأطراف متنوع جغرافيا ،فمن مرتفعات املشيل بالأطلس الكبير إلى رمال الريصاني ومرزوكة بالجنوب الشرقي للمملكة مرورا بوادي زيز الذي يشكل عصب الحياة بواحة تافيلالت ، وإذ تعتبر مرتفعات الأطلس الكبير المزود الرئيسي للماء الذي ينساب عبر المجاري والوديان ،فيطعم سد الحسن الداخل و عبره يتم استثماره في شتى مناحي الحياة .
هذا الغطاء المتنوع جعل من المنطقة فسيفساء يضفي عليها جمالا طبيعيا لا يمكن إلا أن يعزز مكانتها ويدفع في اتجاه إبراز مواردها الطبيعية. فالتساقطات التي شهدتها منطقة الرشيدية خلال الأيام الأخيرة تسببت في خلخلة البنى التحتية من طرقات وجسور ودور للسكنى وهذا طبيعي لان المنطقة لم يسبق لها أن عرفت هذا الكم الهائل من المياه فسكان تافيلالت تكيفوا بشكل تدريجي مع ما يقتضيه مناخ المنطقة من قساوة وجفاف ، دون أن يجدوا الاستعداد الكافي لمواجهة الأمطار الطوفانية التي عرفتها المنطقة
فاغلب البيوت المبنية على ضفاف واحة زيز و كير وغريس مبنية من التراب .فكيف لهذه البيوت البسيطة أن تصمد في وجه الرياح الممطرة و الجارفة .
من هنا يجب التفكير في إيجاد صيغ للحياة بشكل جديد بحيث يتم تحويل خطورة المياه إلى مصلحة تفيد البشر والبيئة و ذلك بالتفكير في الاستفادة من الأمطار والتقليل من ضياع مياهها بإحداث أحواض مائية على طول المجاري المائية كلما سمحت الظروف لذلك ، وإحداثها كذلك في عمق الأراضي القاحلة الواسعة و المعزولة لتنمية المروج و الأراضي الرعوية وخلق مجالا تنتعش منه كائنات البراري ، وكذلك يتوخى من هذه الأحواض المائية إغناء المخزون المائي الجوفي و الاحتفاظ به في مجالنا الطبيعي قدر الإمكان .
كما أصبح أكثر ملحاحية النظر في مسالة الري وتقنيات السقي في نظامنا السقوي فهذا المجال لا يعدو أن يكون مجالا تقليديا يفتقد إلى الآليات الحديثة التي تساعد على الحد من الإتلاف المائي قبل أن يصل إلى الفدادين والأراضي المراد سقيها ، كما بات من الضروري إحداث إدارة خاصة لتتبع كل العمليات والتحسس بقيمة الماء.
وفيما له علاقة وطيدة بمجال الماء والتساقطات التي عرفتها حواضر وأرياف الرشيدية ، فإن قنوات صرف المياه العادمة عاجزة عن استيعاب الأمطار المتساقطة بالشوارع .كأنها صممت خصيصا للمياه العادمة دون غيرها .
لعلنا اليوم أمام إشكاليات وتحديات جديدة تتجلى في ارتفاع نسبة التساقطات المطرية ،وتجدر الإشارة إلى أن سد الحسن الداخل قد امتلأ عن آخره و للمرة الأولى منذ تشييده سنة 1971 ليؤكد مدى نجاعة وسداد السياسة المائية للمغفور له الحسن الثاني ،فهذه المعلمة المفيدة حان الوقت لاستغلال فضائها اقتصاديا واجتماعيا و بيئيا ، وذلك بالتفكير في تشييد أحزمة خضراء على مدار الحوض المائي لتسوية تسرب الماء والوقاية من تآكل التربة و من الانجراف نحو عمق الحوض المائي ، مع العلم أن الترسبات قد تصل في باطن الحوض إلى عدة أمتار .
فتشكيل نظام أحزمة غابوية واقية من انجراف التربة قد تفيد أيضا في توفير مراعي مهمة ،ومجال للتوازن البيئي فضلا عن أن الأحزمة الخضراء لا تكتفي باستهلاك المياه فقط بل تساهم في إدارة سقوط المياه وتنظيم تدفقه دون أن ننسى صدها للرياح وتلطيف الأجواء وتزيين مدخل مدينة الرشيدية .
فهذا نداء لكل مؤسسات المجتمع المدني لتنكب على وضع برنامج من اجل إحداث أحزمة خضراء حول حوض سد الحسن الداخل المعلمة الحسنية .
لحسن عايي - الرشيدية