كلمة محمد شاكر بالمكتبة الوطنية
www.zizvalley.com | Le 27 / 12 / 2011 à 10:44 | Dans Art & Culture
كلمة المكتبة الوطنية

تحية بدفء الجنوب، ورحابة صدر الصحراء
ما يفرحني اليوم ، وبشكل صوفي، هو انتظام هذا العقد الأدبي من فناني ، ومبدعي المنطقة في لحظة تاريخية ، بكل تباريح الكائن الجميل ، وبدفء محلي ، لنرأب صدع اللسان ، ونرفع عقيرة الحب عاليا ، في رحاب المكتبة الوطنية،التي أبت إلا أن تحتضن أحوال الجميل الجنوبي ، وتكون صلة القرابة القصوى ، في زمن التشرذم ، والإقصاء ,حفاوة لايسعنا إلا أن نثمنها ، ونجعلها قيمة مضافة في ميزان حسنات هذه المكتبة الوطنية الفاعلة ، في محيطنا الوطني المصغية إلى نبض أحلامنا، والمنفتحة على آمال كل جهات الوطن الحبيب , وانشغالاتها الفكرية ، والفنية بكل حدب ، ورعاية .

نحن هنا،امتنانا ، لثلة من خيرة الأصدقاء ، الأوفياء أبناء البلد، يُشرفون على فرع اتحاد الكتاب ، ويشِّرفوننا بجنوب الرُّوح، أبواْ إلا أن يوثقوا ما جمَّلنا من خيبات، يكاد يعفو عليها الجمال،وأقاموا مباريات للتعريف بالطاقات الواعدة، كما وثقوا من قبلُ، تراثا شفويا مَحليا، هو صنيع لملموا به أعطابَ الهوية.
أشكر لهم ، أن جمعوا بعض هذه الأوراق ، في كتيبات أدبية، ربما تذود عن أحلامها المتبقية ، برودة النسيان.
ربما يجد فيه المتلقي، بعض ما ينفع الروح ، بعد أن ذهب الزبدُ جفاء، بفعل العتاقة ، وتقلبات أحوال الكلام.
كما لا يفوتني أن أهنئ أصدقائي المبدعين ،الذين حظوا هم كذلك، بطبع مؤلفاتهم من لدن الإتحاد المحلي ، ليكون لنا سمر ورقي، وصلة وصل أخرى مع من سبقونا إلى نشر أعمالهم ،
وأقول لكل الطاقات الإبداعية المحلية التي فازت في مسابقة الشعر، والقصة، والرواية،والمسرح، وغيرها من أشكال التعبير الإبداعي، هنيئا لها بالثقة التي حظيتْ بها من لدن الإتحاد المحلي، ولجنة التحكيم، وكل عشاق الكلمة الحرة، والهادفة، وأتمنى لها مزيدا من التألق والصبر على أحابيل الإبداع .
هي اليوم مكسب ثقافي، وإبداعي، يمثل ذائقة الجنوب الإبداعية. وينضاف، إلى مكاسب عديدة ، في مجالات كالفن السابع، والتشكيل، والفن الفوتوغرافي، والغناء، والمهرجانات الثقافية، التي سعتْ من قبلُ في ترسيخ دعائمها، جمعيات فاعلة في وسطنا الثقافي، والفني جمعياتٌ مهدت الصلة بين المركز، والهامش، بفعل قدراتها، ونضالها، ونكران ذاتها. جمعيات فتحتْ (غارزعبل) على مصراعيه، لتعبر إلينا، طاقات فكرية وإبداعية وازنة من مغربنا الحبيب، راضية مرضية، بكل أطاييب الفكر، والإبداع الرصين. وانتهت بذلك خرافة المعبر الضيق، التي كنا نتندر بها في المقاهي، والأندية الجنوبية.
نحلم ، نحن المبدعين الجنوبيين بأن تردم الهوةُ أكثر، إلى أن تصبح الصلة ماهدة بين الواحة، والبحر، بوشائج الإبداع وعرى الحركات الثقافية الجميلة.فلا أروع من وطن يراوح في الحب بين عرجون، وبحر، وقاص، ودان ٍ، من جهات الشأن الأكبر.
ونأمل أن يصبح دعم المبدعين، في الهوامش،سنة حميدة،تقتدي بها جهات أخرى ،فاعلة في الحقل الثقافي، والفني، تفاديا لكل نسيان يحبط،أو فوات أوان، يضيع فرص الإستفادة من المنتوج الإبداع، في اللحظة التاريخية المواتية، كما هو الحال ، بالنسبة لي اليوم، علي سبيل المثال ، لا الحصر،

ومع ذلك، أنا لست هنا لأتلمس الطريق إلى مقعد شاعر، أعلم جيدا، أن كل المقاعد الشاغرة ، ملأتها الأجيال، ولم يبق لي منها سوى عدوى الشعر،الذي لا يرتبط بأي تصنيف. ومقعدي اهترأ منذ زمن بعيد ، حيث كان يوافقني الجلوس ، لأنتشي في حضرة مارد الشعر.
لا أدري كم مر علي وأنا أعلل صبري، بأنني لم ألبث على قارعة الانتظار سوى بضعة أحلام، وردح من اليأس ، يفضي بي دائما إلى اجتراح نص شعري جديد يقيم أود الروح.
ولست ُهنا ، لأي شيء في نفس الشعر ، والشعراء ،أو لأحتجز ركنا في أرشيف التاريخ ، أريح عليه نسياني ، لا تاريخ لي على بوابة الستين ، يفضي بي إلى ما راكمتُ من نبض أو يجمع ما تناثر من ريح الحنين.
ولست هنا لألتمس شفاعة النشر الورقي، ليأذن لي بالدخول ،إلى سراديب الببليوغرافات، أو أحصل على اسم ، بعقيقة النشـــــــر.
ولست صاحب نظريات، و ليست لي نية مبيتة في الكتابة وفق شكل من أشكال الكتابة الشعرية، إلا ما وافق إحساسا طازجا ، وأراح الشعر، لأمد من التأويل ، قد يقصر أو يطول .
أمارس كلامي، على غير عادة الكلام المتداول ، كي لا تنساني حاسة النطق ، في زوايا الخرس . وأتمرن على إعادة تركيب ذاتي ، كما حلمتُ، بعيدا عن أعطابها الواقعية أمشي بهيأة خفيفة ، لوقت شعري قصير، بعيدا عن أوزاري .
لا أرغب في تركيب وصفات للشعر ، يكفيني أن أتلمس أثره المختلف من نص إلى نص ، بعد مغامرة الكتابة ، بأدوات ، وعناصر، قد لا تنجح في كل الحالات في استدراج هذا المنفلت الذي يسحرني، ويعلو على كل التحديدات، ويأبى إلا أن يخيب ظن القواعد
وكل الشِّراك المنْصوبة، على مَدارج اشتهاءاته.
لم أكن أتصور هذا الوضع ، منذ أول زهْو اعتراني، وأنا أدبِّج محاولاتِ البداية ، أمام أفق أرجواني، أن أوقع هذا الكتاب الأول الذي ليس بالضرورة كتابي الأول ، بعد أن فترتْ شهيتي في النشر،واقتنعتُ، بأن أتوسد حزمة أوراقي التي ضاقتْ بها الرُّفوفُ، والعائلة واصفـرَّتْ بين ثناياها الأحلام .
وضعي الآن ، قد يكون إشكاليا بالنسبة للكثيرين، ولا إشكال لديَّ ، إذ كل المحاولات الشعرية ، كانتْ مُسوِّغا حياتيا بامتياز، أسعفتني على تجرُّع مَرارات الواقع، بسُكر إبداعي زائد، تقاسمتُ أقداحه ، في كثير من اللقاءات ، مع الخلان ، والمتلقين .تحول فيما بعد إلى ارتباط رئيسي بالشعر، من دون الأسباب الأخرى ، التي تعْتريها الإبدالات .
أعتبره حياتي الثانية، إذ تخدلني حياتي الأولى، خالية من كل العثرات المُزمنة ، ألفيها مجبورة الخاطر ، انعتقتْ من فخاخ وقت ، أجلتْ حلولَ المسرات، إلى حين إبداع ، يُرمم ما سقط قهْرا ، واغتيلَ جهرا ، وأحبط في دابر العهْد، والأوان.
ثمة دائما أويقات،تتصيدني في معابر الخيال ، تحضرني لغة شفيفة ، أتبادل من خلالها ، بشكل أثيري ، إشارات نبيلة ، مليئة بالدهشة ، أتكاشف فيها ، إلى درجة التماهي ، وربما أحلى بكثير ،على وقع الجميل ، أسعى إلى أصالة روح ، ترسبت في طين المادة ، حتى يتشبع الزمن بإحساس واحد ، وأنعم فيه بانتشاء عمومي ، يلطف من آدميتي ، إلى حين انغماس آخر في غواية الزمان ، والمكان .
ربَّما كان لي في كل هذا، أجرُ إعادة الانتباهِ ، إلى ما نُفوِّتُ من عَثراتٍ ، ولحظاتٍ مُشرقة
أنا هنا ، لأسباب شتى ، ثاوية في أعماق إحباطاتي، إلا أني لا أستطيع أن أنفضَ عنها قِشرة الجهْل السَّميكة، كيْ أستخلصَ قناعاتي التي بلمَعان الفرح،وأضمَّها إلى روحي التي لا صراط لها ، ولا مُستقر.
أنا هنا كالذي يفرك جفنيه، بعد سُبات عَميق في دوَّامة العُمر، ليجدَ نفسه في حُلم يقظة، لا يُميّز فيه بين ليْل سابق، وصُبح لاحِق ، هل أقبَلُ بالأخير، أمْ أتوارى إلى وراءٍ كان يُعلّلُ النَّفسَ بالتباشير..؟
أنا هنا ، لعلي أرْجعُ أدراجي، إليَّ، كما توخيتُ، في عُنفوان اشتهاءاتي، وألتقطُ بعضًا مِني في حَضرة هذا الدِّفء الإنساني، المتوقد الوجْدان.
أنا هنا، لأن لي في هذه الصفوة الأدبية التي لبَّتِ الدعوة، وخفَّتْ بمختلف أشكال التعبير الفني ، رجاء بسعة أحلامي ، وحافزا إلى مزيد من العطاء، حتى نذود عن إنسانيتنا ، ونجعل من هامشنا جزءا فاعلا ، نابضا بكل فكر نير ، وإحساس دافق .
إذ لا مركز للإشعاع الثقافي ، والفني ، إلا ما يلفت الإنتباه من فكر ثاقب ، ووجدان صادق
تتمحور حوله الأرواح.
وفي الختام، أسِّركُم أنه يعجزني دائما في المحافل، أن أرتجل ما تلهج به روحي، دون أن أجد نفسي بذاكرة بيضاء، ولسان لا يفصح عن بلوى الأعماق،لذلك ملتُ إلى تدوين ما تردد من أصداء الخرس بداخلي ، حتى لا يغتالني الصمتُ بينكم، وأذوب في تلعثمي.
فاغفروا لي نقيصتي، واقبلوا تدويني هذا، لعله يحفظ بعضا من دفء الأعماق،بعيدا عما يتشرذم من كلام يُرتجل.



محمد شاكر
المكتبة الوطنية
الرباط 22.12.2011