zizvalley errachidia
الفساد..أقوى مؤسسة في البلاد
Publié Le 08 / 12 / 2012 à 18:34 | Dans Politique | 1335 Lectures | E-mail Article | Imprimer Article
المهدي محمد ـ أرفود
منذ الوهلة الأول للإعلان عن ولادة اللجنة الوطنية لمحاربة الرشوة و الفساد "Transparency Maroc" في مطلع العام 1996، توالت الدعوات والندوات حول هذه الآفة الخطيرة التي ما فتأت تنمو وتستفحل إلى أن استشرت في جسم الدولة بأكمله ، بل يمكن أن نقول لقد اصبح الأمر أخطر من ذلك حيث أصبح الفساد يشكل مؤسسة قائمة الذات،لها فروعها ومنظروها وعملاؤها في كل الميادين و المجالات..إلى ان تم تتويج ذلك بإقرار رسمي وعلني من أعلى سلطة في البلاد بتفشي ظاهرة الرشوة في جميع مفاصل الدولة،وذلك حين أعلن ملك البلاد ـ وبكل وضوح ـ في خطابه بمناسبة عيد الشباب (غشت 2008) عن تعيين "الهيئة الوطنية للوقاية من الرشوة "،وما الرشوة إلا معطى واحد من تجليات الفساد الذي أصبح يهدد كيان الدولة ووجودها .
غير أنه ورغم دعوات محاربة الفساد وتوالي ولادة الجمعيات والكيانات العاملة في هذا الباب، لم يزدد الفساد إلا انتشارا واستفحالا إلى أن استحكم في كيان الدولة كما يستحكم الورم الخبيث في الجسد المريض.مما يجعلنا نعيد ما قلناه من قبل ،بكوننا في المغرب لا نحتاج إلى كيان يتحمل مسؤولية مكافحة الفساد،بقدر حاجتنا لإرادة سياسية جادة و قوية تُدرك خطورة الوضع الراهن ، وتؤمن بأن مواجهة الفساد أضحت ضرورة وطنية ملحة ومستعجلة لا تراجع عنها ، يجب أن تجند لها جميع الإمكانات ،حتى يتم اجتثاث جذوره الممتدة في أعماق الدولة ،مهما كلف ذلك من ثمن وتطلب من تضحيات.
هذه القناعة رسختها العديد من المؤشرات والوقائع التي تم رصدها عبر التقارير الدورية والسنوية التي دأبت جمعيات وإطارات محاربة الفساد على إصدارها ، فمؤسسات القطاع العام ، من ماء وكهرباء ومعادن وكل القطاعات الاقتصادية والاجتماعية التي كانت تسيرها الدولة نعلم أن مردوديتها انخفضت كثيرا قبل خوصصتها ، وأن إثراء رؤساء المصالح بها أصبح ظاهرة عادية. وهكذا طفت إلى السّطح قضايا أزكمت رائحتها الأنوف ، مثل قضية الخطوط الملكية المغربية والقرض العقاري والسياحي والقرض الفلاحي والصندوق الوطني للتقاعد،ووراء كل مؤسسة من هذه المؤسسات صندوق وَهْمي لا يعلم بمداخله و مخارجه سوى الراسخون في الفساد والنهب .. هذه المؤسسات نُهبت عن آخرها كما هو معلوم للجميع. لكن المؤسف في الأمر ـ والذي يدل على أن الفساد أضحى هو قانون هذا المجتمع وخلقا من أخلاقه ـ هو أن هذا المال العام الذي نهب لم تتدخل أية سلطة من أجل استرجاعه .
بالإضافة إلى ذلك،حتى التقارير التي اعتادت هذه الكيانات على إصدارها بشكل دوري أو سنوي،والتي تنبه فيها إلى عدد كبير من قضايا الفساد والمخالفات المالية الدسمة،أصبحت مجرد أوراق تستعمل تارة في تهدئة الرأي الوطني بعد انكشاف فضيحة من فضائح المال العام ، لخلق الانطباع عند المواطن بأن الدولة حريصة على حماية المال العام ومعاقبة كل من حاول العبث بـه،وتارة تستعمل لإدانة بعض القيادات وتصفية حسابات سياسوية رخيصة،وأحيانا أخرى للضغط على مرتكبيها وقت الحاجة لضمان ولائهم وحسن سمعهم وطاعتهم .
وبهذا اقتصر دور هذه الكيانات على إصدار،بل نسخ ذات التقارير في طبعات مزيدة و منقحة،توجه في معظمها إلى الخارج ،لإعطائه إشارات توحي بانخراط الدولة بالفعل في مسلسل الإصلاح والتقويم ،بالشكل الذي تشترطه الهيئات الدولية الممولة لهذه البرامج والمانحة للمساعدات،هذه الأخيرة التي تذهب غالبا إلى جيوب الفساد.
هذا الوضع جعل من العديد من الهيئات المعنية بمكافحة الفساد، مجرد واجهة ديكورية تخفي وراءها كل أشكال الفوضى و القبح. ولم يكن ـ طبعا ـ إنشاء هذه الجمعيات والهيئات دليلا على الجدية في محاربة آفة الفساد،كما أنه لا يعد مؤشرا على توفر الإرادة السياسية المناهضة له، بدليل أنه لم تُوفَّـر

لهذه الهيئات أدنى عوامل النجاح ، ما جعلها تفشل في أداء مهمتها في محاربة الفساد ،مثل فشلها في إقناع المانحين بجدواها .
والأمر الآخر ، هو أن الفساد يعد في الوقت الراهن المؤسسة الأقوى في المغرب، مؤسسة أصبح لها نظم و قوانين، ويديرها متخصصون يمتلكون خبرات كبيرة ومهارات عالية، وتقدم لهم كل التسهيلات والصلاحيات التي تمكنهم من ممارسة فسادهم بأمان، وبجهودهم المخلصة والجبارة "تمأسس" الفساد وتطوره،حيث أصبح له أوجه عديدة وميادين جديدة وأساليب مبتكرة لاتخطر على بال.
إذ أن الفساد لم يعد متقوقعاً في جانب معين بعد أن تعددت وجوهه وتطورت أساليبه، وها نحن اليوم نجده يُطِلّ بقرونه من بوابة التعليم والتخبط الخطير في التعاطي مع إشكالاته المتداخلة ،سواء على مستوى المقررات الدراسية ومضامينها المستوردة ،أو على مستوى المناهج الفاشلة التي ثبت فشلها في بلادها الأصلية ، وتارة يدخل علينا من نافذة الطاقة و الكهرباء التي وعد ت الحكومة بتخفيض تسعيرتها إلى حدود 17 في المائة ،والتي لم نلمس لها أثراً في واقعنا المظلم،وتارة أخرى نلمس وجوده في الطب الذي لم يزدنا إلا مرضا.
لقد أصبح الفساد مؤسسة قائمة الذات تشتغل بالموازاة مع المؤسسة الشرعية،بل وتتماهى معها أحيانا،إلى حد أضحى معه تقديم الرشوة لقضاء مصلحة من باب الأمور الاعتيادية ،والتي لا يستحي المانح للرشوة ولا القابض لها في إعلانها للعموم ،بل والتباهي بها أيضا..كما أضحى القبول في مبارايات التوظيف رهينا بدفع مقابل مالي وكأنها ضريبة مفروضة لا مناص منها، حيث لم يعد هناك مكان للتفوق والكفاءة والاستحقاق،مما سيخلق مستقبلا أزمة كفاءة و مسؤولية لدى أطر الدولة في كل الميادين.
غير أن أخطر أنواع الفساد في نظري، هو فساد القيم الأخلاقية والسلوكية التي تحكم علاقات أفراد المجتمع، في الشوارع والأسواق والمساجد وأماكن العمل، وهذا النوع من الفساد لا يُجدي معه إنشاء هيئة أو جمعية، ولا تَحُدّ منه تقارير جهاز الرقابة والمحاسبة.
ويبقى الحل الأنسب لمواجهة الفساد بكل أشكاله وأنواعه هو تفعيل الأنظمة، وإعادة الاعتبار للقوانين التي ينبغي أن تعلو فوق الجميع، وفق منطوق الدستور الذي يساوي بين المواطنين في الحقوق والواجبات ، وإعمال مساطر الثواب والعقاب.
صحيح أن ما نقوله تقف أمامه معيقات هائلة،متمثلة في جيوب الفساد من المستفيدين من الوضع، والمُندسّين خلف يافطات ظاهرها خدمة الصالح العام، وباطنها الإثراء الشخصي والمصلحة الفردية لا غير ..إلا أن هذا، لا ينبغي أن يثنيها عن شرف المحاولة والإصرار على ذلك .

المهدي محمد ـ أرفود ـ المغرب

Commentaires article
Votre nom:
Votre E-mail:
Message:
code: 1+5=