zizvalley errachidia
الأدب و الالـتـزام
Publié Le 27 / 05 / 2010 à 11:17 | Dans Créations Littéraires | 1227 Lectures | E-mail Article | Imprimer Article
الأدب و الالـتـزام
الأستاذ: محمد المهدي

توطئة:
يعتبر الالتزام من المقولات الجمالية والفنية التي أثارت الكثير من النقاش بين نقاد ومنظري الأدب،إلى حد التطرف في تحديد هذا المصطلح من لدن بعضهم ، هذا المصطلح الذي كان متداولا منذ قرون خلت ، غير أن الفضل في إثارة قضية الالتزام في الأدب يعود إلى الأدباء والنقاد الوطنيين الذين أقحموه في أدبياتهم وكتاباتهم ، مما جعل منه أي ( الالتزام ) أحد المرتكزات الفنية الكبرى في الآداب العالمية المعاصرة ، بدءا بواقعية القرن 19 مع تولستوي ودوستويفسكي ، ومرورا بالواقعيات النقدية والاشتراكية مع بالزاك و ستاندال ومكسيم غوركي ووصولا بالوجودية مع ألبير كامو ، وما تلاها من تيارات البنيوية والحداثة . ورغم ذلك ، فلايزال المفهوم يثير العديد من الاستفهامات ولايزال ينتابه الكثير من اللبس .
العــرض:
في مادة لزم : نجد في ( لسان العرب ) لزم ، يلزم ، والفاعل لازم ، والمفعول به ملزوم ، نقول : لزم الشيء يلزمه لزما ولزوما وملازمة ، والتزم الشيء ، ألزمه إياه . ونقول أيضا :رجل لُزَمة أو لُزْمة، أي يلزم الشيء ولا يفارقه ، والالتزام هو الاعتناق .
ونجد في المعجم الوسيط ،وكذا في القاموس المحيط الملتزم هو المتعهد بأداء شيء ما لصالح طرف ما.
يظهر من خلال هذه المعلومات الواردة في معظم المعاجم والقواميس العربية أن الالتزام لغة هو لزوم جهة محددة ، وعدم الانزياح عنها إلا لظهور موجبات ذلك الانزياح ، ولزوم الشيء هو التصاق به ، ومداومة ذلك إلى حد يصبح الفعل معه طبيعيا بل وملحا وضروريا . وبذلك يتضح أيضا أن لفظة (إلتزم) ، ومصدرها "إلتزام"، من الألفاظ المتداولة والمستعملة في لغتنا العربية منذ القديم ، لكنها مع مرور الأحقاب ، وبفعل تطور الرؤى النقدية ، وامتداد الأدب إلى مجالات كانت محرمة عليه من قبل،اتخذت الكلمة مدلولات مختلفة حسب اختلاف الحقل واختلاف الاستعمال الموضعي لها ...
وسنقتصر في هذا المقام على التداخل بين الأدب والإيديولوجيا والسياسة والواقع بشكل عام، ونرى رحلة هذه الكلمة بين الأدب واشياء الواقع الأخرى ،ونعرض من خلال ذلك إلى اختلاف المقولات في هذا الصدد.
الالتزام هو الارتباط الكامل بخط أو طبقة أو تصور معين ، والعمل على تكريسه وتوطيده على أرض الواقع . وقد اتخذ هذا المفهوم عدة تفرعات وعدة أوجه ، منها ما يتعلق بالحقل السياسي ، والاجتماعي ، ومنها ما يتعلق بالحقل الأدبي والفني بشكل عام ، إلا أنه اتخذ موقعا مركزيا في الآداب المعاصرة ونتاجاتها ، وكذا في كتابات منظري و نقاد الأدب ،الذين ساهموا بشكل كبير في إبرازه ، وتحديد معالمه وشكله . وقد كان للآداب الواقعية ،التي ارتبطت بنضالات الشعوب من أجل التحرر والانعتاق ، الفضل الكبير في اعطاء الالتزام دلالته الجوهرية و المعبرة . بل اعتبره النقاد والأدباء(الاشتراكيون) من أهم المرتكزات الجمالية لآدابهم وفنونهم .
إن الالتزام كمبدأ جمالي لا يمكن تحديد مجاله بشكل جازم، ذلك لأنه لا يقتصر على طرف دون أخر ، فالالتزام هو أن يلزم الكاتب نفسه للتعبير عن قضية معينة اجتماعية ، سياسية أو ثقافية ، وعليه تبعا لذلك أن ينغرس في مجرى الصراع من أجل هذه القضية بكل ما أوتي من وسيلة ؛ فالأدب الملتزم ،

هو الأدب المرتبط بالشعب و المدافع عن مصالحه، والمناضل من أجل رفعته وتحرره. وهو الأدب المهتم بأوضاع الشعب الكادح ، مصورا المجتمع تصويرا واقعيا ، من أجل انتقاده ، ومن أجل تغييره نحو الأفضل ، وتبقى المصلحة الشعبية لديه فوق كل اعتبار ، نجد هذه الفكرة عند بريخت الذي يدعو الى "أدب شعبي مرتبط بالجماهير . ويعتمد منظورها ، ويؤكد هذا المنظور ويصححه ، وهو أدب يمثل أكثر أقسام الشعب تقدمية ، حتى يمكنها من القيادة ، وهو أدب مفهوم لباقي اقسام الشعب"1 . فالالتزام من هنا يجب أن يكون التزاما بالجماهير أولا والتعبير عنها وعن طموحاتها ومصالحها، فالأدب الملتزم فعلا هو كما يقول هنرى أرفون Henri Arvone "الأدب الذي ليس له ، ولا يمكن أن يكون له مصالح غير مصالح الشعب"2 ، كما يعني الالتزام من جهة أخرى الاندماج الكلي للكاتب في الصراع الاجتماعي الذي تخوضه الفئات المقهورة ، ضد قوى الاستغلال والقهر ، وذلك راجع الى "كون الأدب سهل المتناول والفهم ، وقدرته العظيمة على الاقناع ، وقوة تأثيره العاطفي تجعل منه سلاحا جبارا في الصراع ، ولهذا فان الطبقات تستخدمه كمعبر عن أفكارها السياسية والأخلاقية وغيرها ..."3 لذلك فان الكاتب ملزم بالإيمان بما يدافع عنه ، وهو مطالب بالالتحام مع أصحاب قضيته؛ غير أنه ليس مطالبا بإعلان التزامه وانحيازه بشكل علني ، بل إن موقفه يتكشف من خلال إبداعه بطريقة تلقائية ، وغير مباشرة .
إن التزام الكاتب بقضية أمة معينة يعتبر في ذات الوقت تسجيلا لموقف سياسي ، وأيديولوجي محدد . ذلك أن أساس الصراع ، هو التناقض السياسي والأيديولوجي والمصلحي بين مختلف الفئات الاجتماعية ؛ وبهذا يكون الكاتب منغرسا بشكل أو بآخر في الممارسة السياسية والأيديولوجية ،ويكون قد ألزم نفسه بالتزام سياسي لا مندوحة عنه ، وهو أرقى أشكال الالتزام ، وبذلك يدخل في علاقة معقدة بين الأدب والسياسة ؛هذه الأخيرة التي عرفها الدكتور حسين مروة بأنها "علم ولها شرف العلم ،ولها قوانين العلم وثوابته الكونية ، والسياسة طراز رفيع من السلوك، هي سلوك كفاحي ، لا يسلكه غير المكافحين من أجل حرية الانسان والابداع ، ومن أجل تحرر الأوطان وتقدم البشرية وسعادة الشعوب، وسلام العالم"4 بهذا الفهم العـلمي للسياسة ، فإنها تدخل في عملية انسجام واتساق مع الأدب، من حيث كونها تتلاقى معه على مبادئ و مثل مشتركة . معنى هذا :أ ن السياسة إذا دخلت الأدب ، لا تفسده، كما يدعي البعض، بل تقويه وتحقـق به أشكال تجلياتها الرفيعة؛ لكن هذا الشكل الأسمى لتمظهرات السياسة ،لا يمكن أن يتحقق إلا ضمن التمظهرات الجمالية الفنية للأدب ، فان لم يتحقق هذا الشرط، فلن يكون الأدب أدبا ، ولا السياسة سياسة ؛ وذلك شرط أيضا لكل ما يمكن أن يدخل في جسد الأدب من أشياء الواقع وهمومه .
لا نريد هنا أن نناقش علاقة السياسي بالأدبي ، ولكن الهدف من ذلك هو توضيح تجليات السياسي في الأدبي ، ثم الفعل الذي يجسده الكاتب في هذه العملية ؛ وانطلاقا من ذلك يمكن تحديد ثلاث رؤى مختلفة حول هذه المسألة .
أولا: يرى أن الالتزام السياسي المباشر غير ضروري في الفن و الأدب، لأن الكتابة الواقعية الحقة ، تجسد القوى المهمة في الحياة الاجتماعية على نحو درامي ، متجاوزة بذلك الملاحظة الفتوغرافية ، والبلاغة المرفوضة للحل السياسي ؛ فالتعبير الأدبي عن السياسة ليس مرفوضا ، ولكن شريطة ألا يكون تعبيرا مباشرا ، لكي لا ينقلب العمل الأدبي إلى مجرد خطاب سياسي جاف ، لا يستند إلى أية خاصية فنية أو جمالية تجعل منه أدبا أو إبداعا فنيا ، فالأديب عندما يتجاوز التصوير المباشر والسطحي للواقع ، ليغوص في أعماقه ويكشف عن خباياه وتناقضاته ، فإنه في ذات الوقت يبرز رؤية سياسية ، إزاء ما يكشفه ، وبذلك سيكون الحل الذي سيطرحه حلا سياسيا أيضا بالضرورة .
ثانيا : يرى الطرف الآخر أن الكاتب له دور محدد ومباشر ، وهو خدمة الدولة ، وأيديولوجيتها ، ونموذجها الأسمى ، وفي هذا الصدد يقول لينين :" تقوم مهمة الأدب في مساعدة الدولة على تربية الشباب تربية صحيحة ، وعلى سد حاجاته وعلى تعليم الجيل الجديد كيف يكون قويا ، لذلك فإن كل ما يميل إلى نشر انعدام الايديولوجيا واللاسياسة هو غريب في الأدب الاشتراكي ، ويلحق ضررا بمصالح الشعب والدولة " 5 ففي هذا الطرف نوع من التشدد في تحديد دور الأدب والأديب ، فهو ليس إلا أداة في خدمة الدولة والقائمين عليها، وخدمة سياستها وأيديولوجيتها، وفي هذا التوجه ، تكريس لدور الأديب الحزبي ، فالنص الأدبي – لديهم – دائما يحتاج" إلى ظله ، وليس ظله إلا مزيجا من الايديولوجيا وتصوير الواقع والموضوع "6 ، و من هنا يصبح الالتزام خدمة للدولة وتوجهاتها ، وفي ذلك تقنين واضح وصريح لمهمة الأدب ، وتوجيه فج لطاقات الفرد والجماعة على السواء .
ثالثا : أما الطرف الثالث ، فيرى أن الكاتب أو الأديب لا ينبغي عليه الالتزام لا سياسيا ولا اجتماعيا ، وليس مرغما على أن يعكس موقفا سياسيا بعينه ، أو أن يكون لسان حزب أو طائفة ، بل إذا أراد الالتزام ، فإنه مطالب بالدرجة الأولى بتصوير الأوضاع الاجتماعية ، وتحليلها تحليلا مرهفا بعيدا عن كل نزعة رومانسية أو تسطيحية ، وذلك بالكشف والتعرية ، عن العلائق الفاسدة القائمة في المجتمع ، على اعتبار أن مادة الأدب الأولى هي الإنسان الإجتماعي المأخوذ ضمن وحدة كل نوعياته وخواصه ، وأحاسيسه وأفكاره ونشاطاته . فالأدب والفن عموما ينبغي في نظر غروموف Gromove أن "يكشف عن الصلات الاجتماعية والجماعية بين الناس ، من خلال المصائر والطبائع الفردية ، وهو بهذا يخلق الصورة الجمالية المركبة عن المحيط التاريخي والزمن الذي يعيش فيه الناس " 7 فالالتزام هو الارتباط أساسا بحياة الناس بكل تجلياتها السياسية والأيديولوجية ، لأن الأدب قبل كل شيء هو ضرورة اجتماعية مرتبطة بالحياة وبالناس في كفاحهم ونضالهم ضد إكراهات الواقع ، وضد تيارات الشر والضغينة ؛ وتبعا لذلك ، فإن الأدب الملتزم ينبغي أن يكون في ارتباط دائم بمجمل محيط الانسان ، يتطور بتطوره ، وينمو بنموه ، وكل ذلك يتم في علاقة عضوية يحكمها قانون التأثير والتأثر .
خلاصة القول في هذا الباب: إن الالتزام كمقولة ومفهوم ، بر أحد المواضيع الجمالية الكبرى في الآداب العالمية المعاصرة بدءا بالآداب الواقعية الأولى ، مرورا بالأدب اللاتيني في أمريكا الجنوبية ، ووصولا إلى أدبنا العربي المعاصر ،و خاصة في مصر وسوريا .
فالالتزام جملة ، هو التحاق النشاط الأدبي بالنشاط العام لكي يسهم في النضال الذي يخوضه البشر ضد إرغامات الطبيعة والانسان نفسه ، هدف هذا الالتحاق ، هو التطور المستمـر للقدرات الفردية الأكثر قيمة لدى الانسان في سبيل انتصاره ، وانتصار قضيته على قوى الشر والضغينة ، من أجل إثبات صحته وتحقيق سعادته التي تقوم في التمكن من العيش على هذه الأرض ، التي يرغب في إعدادها بكاملها باتفاق مع النمو المستمر لحاجاته في أسرة واحدة .
إحــالات :
1- ( شعبية الأدب وواقعيته)ص44. برتولد بريخت/ترجمة د.رضوى.عاشور–مجلة خطوة .عدد 11 / 88 منشورات عيون المقالات
2- ( الجمالية الماركسية ) ص 113 هنري أرغون .
3- ( شعبية الأدب وواقعيته ) ص 44 . برتولد بريخت .
4- ( بحث عن واقعية الأدب ) ص 27 د حسين مروة .
5- ( في الأدب والفن ) لينين وآخرون ص 81 – ط 1976 . ترجمة محمد مستجير مصطفى - دار الثقافة الجديدة القاهرة
6- ( التفسير والتفكيك والأيديولوجيا) ص 89 كريستوفر باتلر ، ترجمة نهاد صليحة .
7 - ( وظيفة الفن الاجتماعية ) ص 23 - غرموف

Commentaires article
Votre nom:
Votre E-mail:
Message:
code: 1+5=